ابن حزم

635

الاحكام

كان صادقا بقوله تعالى : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) * فإن جاء ببرهان من القرآن والسنة قبلنا منه ، وإلا تركنا قوله ، لان من لم يأت ببرهان فليس صادقا لقوله تعالى : * ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) * . وقد علم كل ذي حس صحيح من الناس أن الاستدلال على القول شئ آخر غير القول المستدل عليه ، فقد أدى التقليد أقواما إلى أقوال صحاح والتقليد فاسد ، لكن البحث أوقعهم عليها فصادفوا أقوالا فيها أحاديث صحاح لم تبلغهم قط ، ولا استدلوا بها . ومن علم كيفية المقدمات علم أن من المقدمات الفاسدة تنتج إنتاجا صحيحا في بعض الأوقات ، ولكن ذلك لا يصحب بل يخون كثيرا ، وقد بينا هذا في كتابنا الموسوم ، بكتاب التقريب بيانا كافيا ، والحمد لله رب العالمين كثيرا . فقد صح بما ذكرنا أنه قد يخطئ في كيفية الاستدلال من يصيب في القول المستدل عليه . وقد صح أيضا أنه قد يصيب المرء في ابتداء الاستدلال ، ثم لا يوفيه حقه فيخطئ في القول المستدل عليه ، فقد استدل قوم بنصوص صحاح ثم تأولوا فيها ما ليس فيها ، وقاسوا عليها ما لم يذكر فيها ، وأصابوا في الاستدلال بالنص وأخطأوا في الحكم به فيما ليس موجودا في ذلك النص . وقد استدل سعد رضي الله عنه على تحريم البيضاء جملة بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الرطب بالتمر ، فصح بهذا أنه ليس علينا اتباع استدلال القائلين بالفتيا ، وإنما علينا اتباع الفتيا إن أيدها نص أو إجماع ، ولا نبالي أخطأ قائلها في استدلاله عليها أم أصاب . وكذلك يلزمنا ترك الفتيا إذا لم يقم عليها برهان من النص أو الاجماع ، وإن استدل قائلها بنص صحيح إلا أنه ظن أن ذلك النص يوجب ما أفتى به . وذلك النص في الحقيقة غير موجب لتلك الفتيا ، وأيضا فإن من المسائل مسائل ليس يروى فيها نص ، وإنما هي إجماع مجرد على أمر أمره النبي صلى الله عليه وسلم ، كإجماع الناس على القراض ، وكإجماع طوائف من الناس على الايجاب في دية الذمي إذا قتله ذمي ثمانمائة درهم ، أو ستة أبعرة وثلثي بعير ، واختلف آخرون في الزيادة على ذلك إلى أن ساواه قوم بدية المسلم ، وقال آخرون : نصف دية المسلم ، وقال آخرون : ثلث دية المسلم ، فاحتج الموجبون في ذلك ثمانمائة درهم أو ستة أبعرة وثلثي بعير ، بأن قالوا : هذا مجمع على وجوبه ، وما زاد